منتديات تاجنانت الثقافية
 
tadjenanetالرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحجاب الإسلامي بين المد والجزر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kaiserXIII



عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

مُساهمةموضوع: الحجاب الإسلامي بين المد والجزر   السبت يناير 08, 2011 10:52 am

كانت عودة الحجاب ملمحاً أساساً من ملامح الصحوة الإسلامية في مرحلتها
المعاصرة التي تبدأ مــن سبـعـيـنيات القرن العشرين، وأصبح الحجاب رمزاً من
رموز الصحوة وشعاراً من شعاراتها.


وميادينها بين الصحوة وأعــدائها ـ لا تزال راية الحجاب ترفرف في ساحة
المعركة، ولكن على نحوٍ يختلف كثيراً عما كـانـت عـلـيـه فـي السبـعـيـنـيات
في أكثر المجتمعات الإسلامية؛ وهذا الاختلاف في مسألة الحجاب هو ما نحن بصدد
توصيفه وتقويمه في هذه الصف
والآن ـ وبـعـد ما يقـرب من ثلاثين عاماً، تنوعت وتعددت فيها أشكال المواجهة حات.


ولأن الواقع لا يعطي معانيه ولا يكشف أسراره إلا بإضــافـته إلى ما قبله من
الزمن، فلا بد من إضافة بُعدٍ تاريخي يسير بقدر ما يكشف لنا الدورة الكامـلة
لنشوء الحجاب وتراجعه.


الأبعاد التاريخية لمعركة الحجاب والسفور
في المجتمعات الإسلامية:
يروق للمحللين والعلمانيين المحليين
كلما طرحت قضية الحجاب أن يُغرِقوا في التساؤل عن الـدوافــع والأســـبـاب
وراء انـتـشـار هذه الفريضة المتزايدة منذ السبعينيات، وهذا تساؤل معكوس
حقيقة، لا بد معه من إضــافــة الـبـعـد الـتـــاريخي حتى نرى الأشياء في
سياقها الحقيقي، فيصبح التساؤل الصحيح عن الدوافع والأسباب الكامنة وراء تخلي
المرأة المسلمة عن حجابها؛ فانحرافٌ فرعيٌّ في التاريخ لا يتجاوز سـبـعـيـن
أو ثمانين عاماً (متوسط عمر رجل واحد)، لا يمكن بحال أن يقضي على أصلٍ
متجذِّر منذ ما يزيد على ثلاثة عشر قرناً من الزمان كشجرة ضخمة فرعها ثابت،
وأصلها في السماء.
ومـــــن الشواهد العجيبة على هذا الانتقال التعسفي التاريخي من الحجاب إلى
السفور أن بعض رواده الكبار (الأصاغر) يشعر المتأمل في سيرة أحدهم كأنه يقرأ
عن شخصين، الأول: يرفع رايـــة الحجاب ويدافع عنه، والثاني: يعادي الحجاب
ويرفع راية السفور، ونذكر مثالين على ذلك: الأول من مصر، والثاني من تونس.

ففي مصر:
كان أول كُتُبِ قاسمِ أمين: "المصريون" دفاعاً حماسياً عن فضائل الإسلام على
المرأة المصرية، ورفعاً من شأن الحجاب، ثم لما تمت إعادة برمجته على أيدي
رواد صالون نازلي، أصدر كـتـابـيــه: "تحرير المرأة"، "المرأة الجديدة"، وجعل
من نفسه الداعي الأول لفتنة التبرج بين المسلمين.

وفي تونس:
سـنــة 1929م وقف شاب عمره يومذاك 26 سنة ـ في إحدى الندوات ـ يرد على امرأة
سـافــرة تـدعـــو إلى تحرير المرأة، فقال: "الحجاب يصنع شخصيتنا، وبالنسبة
لخلعه: جوابي هو الرفــض، وارتـفــع الضـجيج في القاعة، وانتقل الجدال إلى
الصحف، وتابع الشاب الدفاع عن الحجاب بنشر مقالات فـي صحيفة تونسية فرنسية،
ولم يكن هذا الشاب سوى المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة نفــســـه الذي قام في
اليوم التالي للاستقلال بسحب غطاء الرأس عن النساء التونسيات"(1).
وسار كثيرون في أنحاء العالم الإسلامي على نهج قاسم أمين فأصدروا كتبهم
المسمومة، مثل كـتـاب: "امرأتان في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد في تونس
سنة 0391م، و"السفور والحجاب" لنظيرة زين الدين في سوريا في العشرينيات.
واسـتمـرت جهـود المثقفين والمفكرين ـ المتبنين للمنهج التغريبي ـ طيلة
الحقبة الاستعمارية في الترويج للـتـبـرج حتى أصـبـح واقــعــاً مفـروضــاً
إلى جوار الحجاب، ولما أن أتى عهد الاستقلال وتولى القوميون زمام الأمور
عملوا ما عـجــــز عنه الاستعمار، وعمدوا إلى القضاء على البقية الباقية من
الحجاب في بلادهم.
يـقـول صحفي ألماني واصفاً فترة إقامته في مصر من 1956 ـ 1961م: "ويكـفي أن
تعلم أنه منذ عـشــريــن عاماً فقط كانت كل النساء تقريباً يرتدين الحجاب،
أما اليوم فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب"(2).
وفي سوريا
مزق رجال "البعث" الحجاب في شوارع دمشق، ومنعوا المحجبات من دخول المدارس
بحجابهن(3).
وفي الجزائر
دعـــا "بن بيلا" الجزائريات إلى خلع حجابهن، وقال: إنني أطالب المرأة
الجزائرية بخلع الحجاب مــن أجــل الجــزائــر!(4)، فخرجت
العذارى المحاربات من بيوتهن، ونزعن الحجاب لأول مرة منذ أن اعتنقت بلادهن
الإسلام(5).
وحقق العهد الاسـتـقـلالـي في المغرب ما لم يستطعه الاستعمار في عشرات السنين(6).
أما المجاهد بورقيبة فبزَّ أقـرانـه في حرب الحجاب، وأصدر مرسومه الشهير
(108) بمنع الحجاب فـي الـمـؤسـسـات الرسمية للدولة، ودعا التونسيات ألا
يُشْعِرْنَ السياح الأجانب بالغربة في بلادهن(7)، ولا
يــزال الحجاب محارباً بشدة حتى الآن في تونس، ولكن ما أن بدأ تهافت الفكر
القومي مع هـزيمـة يونيو 1967م، حتى عاد الحجاب يتربع على عرشه المسلوب
مــــن جديد، وما أصدق القائل: "إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت
النكسة ثمرة التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن الإسلام"(Cool.
ولو شئنا دراسة تطورات الحجاب منذ بدء عودته في السبعينيات وحتى الآن، فلا بد
من انتقاء بلد يصبح نموذجاً معبراً عن أحداث هذه الفترة، ولا نجد أفضل من
النموذج المصري في التعبير عنها؛ فهو نموذج ثري بتطوراته وأحداثه ومتغيراته،
كما أنه نموذج رائد يراد تسويقه للدول التي لم تبلغ مرحلته بعد.
ولكي تكتمل الرؤية بأن تحتوي على الأبعاد الزمنية الثلاثة: الماضي، الحاضر،
احتمالات المـسـتـقـبــل، نـتـناول قضية الحجاب في تركيا، باعتبارها تحتل
المرتبة الأولى في التطرف العلماني الرافض للإســــلام، ومـــن ثَمَّ فهي هدف
تُدفع معظم الدول الإسلامية دفعاً ـ مع اعتبار تفاوت مواقعها الحالية ـ
لبـلــوغه في السنوات القادمة؛ فدراستها وإن كانت تعتبر واقعية بالنسبة
لتركيا، إلا أنها مستقبلية بالنسبة لغيرها من الدول الإسلامية.

الحجاب في مصر:
إن ثـراء الـنـمـــوذج الـمـصـري ـ
كما سبق ـ يجعل من الصعب تغطيته في صفحات معدودة بتفصيل وشمول، ولذا سننتقي
منه أهم المعالم التي تخدم موضوعنا.

أولاً: تـوزيـع الأدوار فـي
مـعـركــــة الحجاب والسفور بين السبعينيات والتسعينيات:
لمعركة الحجاب سَمْتٌ متميز؛ فهناك
أطراف متعددة، وأدوار متداخلة، وهناك أيضاً صور مخـتـلـفــة للـهـزيـمة
والفوز، كما أنها معركة مفتوحة نحسب أنها باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها.
وفـي الـسـاحـــة المصرية يظهر ذلك بوضوح، وتنحصر الأدوار المؤثرة في الأطراف
الآتية:

1 - المؤسسات التعليمية: ويبرز دورها
في ثلاثة اتجاهات:
الأول: أخـطـــــرها، وهو السعي
للعلمنة الكاملة لمناهج التعليم ـ مع حصار وتحديد لدور المؤسسات التعليمية
الدينية، وهذا الاتجاه يظهر أثره في المستقبل بتخريج أجيال تنتمي إلى
العلمانية قبل الإسلام.
الثاني: العمل على إضــعـــاف ظاهرة الحجاب في تلك المؤسسات حتى لا تعوق
بوجودها جهود العلمنة. وهذا الإضعاف يأخذ شكل مضايقات وحصار ولوائح وقرارات
تمنع دخول المحجبات ـ خاصة الـمـنـقـبــــات ـ إلى تلك المؤسسات ـ عاملات أو
طالبات ـ ومن أشهر القرارات قرار رقم 113 سنة 1994م الـذي يـمــنـع ارتــداء
غطاء الرأس إلا بطلب من ولي الأمر(9).
الثالث: وهو اتـجــــاه غير مباشر؛ وذلك بتشجيع تحول المؤسسات التعليمية إلى
ساحات لهدم الأخلاق والقيم، وتحطيم القيود على تطور العلاقة بين الشاب
والفتاة، ويكفي النظر إلى ظاهرة الزواج ـ الزنا ـ العرفي وتزايدها المستمر
وأسلوب معالجتها الذي اقتصر على عقد ندوات دينية في تلك الـمـؤسـسـات ـ ذراً
للرماد في العيون ـ أحدثت في بعض الأحيان أثراً عكسياً، فأخرجت الظاهرة إلى
نطاق النقاش العلني واختزلتها إلى مجرد خلاف فقهي.

2- وسائل الإعلام: تـقـول إحدى
الدراسات:
إن أغـلـبـية المجتمع
المصري يقع تحت سطوة وسائط الإعلام الرسمية(10)، وأن
الـنـسـاء خاصة يقبـلـن عل مشاهدة برامج التلفاز أكثر من الرجال(11)،
وفي أحد استطلاعات الرأي الـهـامة، كان هناك عامل مشترك بين الموافقات على أن
دعوة قاسم أمين تقدمية، هو مشاهدة برامج التلفاز والراديو(12).
لا شك أن الإعلام أصبح يلعب دوراً خطيراً في محـاربة الحجاب عبر منابره
المتعددة، وله في ذلك أساليب متنوعة ـ مباشرة وغير مباشرة ـ فهـنــاك الهجوم
المباشر الفج الذي يسخر من الحجاب، أو يُرجِع دوافعه إلى مشاكل اجتماعية
ونفسية ومادية.. إلخ.
ومنها تخصيص الهجوم بفئات معينة من المحجبات مـثل: الفنانات التائبات،
ومهاجمة كل من له دور في حجابهن من العلماء والدعاة(13)،
ومـنـهــا الـتـركـيـز على عدم ارتباط الـحـجــــاب بمستوى معين من الأخلاق،
وارتباط صور معينة من الحجاب ـ الـنـقـــاب ـ بارتكاب جــرائــم متنوعة(14)،
ومن الأساليب غير المباشرة مهاجمة التيارات الإسلامية ورموزها، واتهامها
بالتطرف، وربط انتشار الحجاب بفكر هذه التيارات ـ المتطرفة ـ ومنها اختزال
المواد الديـنـيــة ـ ما أمكن ـ؛ خاصة أن الدراسات تثبت أن زيادة الإعلام
الديني تؤدي إلى إشاعة مناخ ديـنـي عــــام في المجتمع وسرعة انتشار الأفكار
الدينية، ومن تلك الأساليب القذرة إشاعة الفاحشة بين المسلمين وتجريئهم
عليها؛ فمع تدني الأخلاق وغلبة الشهوات لا يكون هناك مجال للحديث عن الحجاب.

3 - الأسرة:
تـفـكـك الأســــــرة وضعف دورها الرقابي من سمات المجتمعات العلمانية
الغربية التي يريد العلمانيون في بلادنا محاكاتها حذو القذة بالقذة، وبينما
تُظهِر الأبحاث ـ عن فترة السبعينيات ـ أن حـوالـي 60% من المحجـبـات أقررن
بموافقة كل الأسرة على ارتداء الحجاب(15)، فإن الأمر
يختلف حالياً مع تعـدد الهجمات الموجهة للأسرة ولدور الرجل فيها، وإذا قلنا:
إن موقف الأسرة تجاه الحجاب ينحصر في ثلاثة أمور: التشجيع ـ السلبية ـ الرفض؛
فالواقع الحالي يشهد بأن الزيادة الكـبـيـرة كـــانت من نصيب الموقف الثاني
(السلبية)(16)، والموقف الثالث حظي بزيادة قليلة خاصة
بالنسبة لصور معينة من الحجاب (تغطية الوجه والكفين)، وكان النقص من نصيب
الموقف الأول.
وهناك أطراف أخرى يفترض أنها تمثل الإسلام في معركة الحجاب والتبرج وهي:

4 - المؤسسات الدينية الرسمية:
وتنحصر في مشيخة الأزهر ودار الإفتاء والهيئات التابعة مثل: المجلس الأعلى
للشؤون الإســــلامية، ومجمع البحوث، ووصفها بالرسمية ينبع من أمرين، أحدهما:
أن تعيين رجالها يتم بقرارات حكومية، والثاني: تحولها عرفاً ـ وإلزاماً
أحياناً ـ إلى تبني الموقف الرسمي من الـقـضـايــا المعدَّة سلفاً وتكلف
تطويع أحكام الشريعة لها. وبالنسبة لقضية الحجاب، فإن أغلب النقد الموجه لهذه
المؤسسات ـ حتى فترة قريبـة ـ كان ينحــصر في المــوقـف السلبي مـن تدعيمه،
والدعوة إليـه والتـعرض لمهاجميه، وهذا لا يمنع من بعض مواقف قوية، كما حدث
في الرد على القرار السابق لوزير التعليم؛ حيث صـــدرت فتوى بمخالفته للشرع(17)
إلا أنه في السنوات الأخيرة تطور الوضع إلى مزيد من الـسـلـبـيــــة، بل إلى
مهاجمة الحجاب أحياناً، متمثلاً في بعض صوره واتهامها بالتطرف (النقاب)(18)،
كــمــا اقترن ذلك بالتهاون في إلزام الطالبات ـ في مدارس الأزهر وكلياته ـ
بالحجاب الشرعي الصحيح.

5 - العلماء والدعاة الـمسـتقـلون:
وأغلبهم في الأساس من خريجي كليات الأزهر والعاملين فيه، ويزداد تميزهم مع
تزايد تـبـنـي الـمـؤســســات الدينية للمواقف الرسمية في مختلف القضايا،
ورغم التضييق عليهم إلا أن تأثيرهم واضـــح مــن الرأي العام، وموقفهم من
قرار وزير التعليم بمنع الحجاب كان قوياًَ، حتى طالب بعضهم بمحاكمته، ومنهم
د. محمــود مزروعــة، د. محمــود حمايــة، د. محمـد المسير، د. عبد الحـي
الفرمــــــاوي، د. عبد الغفار عزيز، د. يحيى إسماعيل... وغيرهم(19).

6- الـحـركـــة الإســلامـية:
كان لها الدور الفعال في نشر الحجاب في المجتمع المصري، وانتشارُه في
الجامعات الـمصرية أحد مظاهر النشاط الإسلامي فيها، والدراسة السابقة عن
ظاهرة الحجاب في السبعـيـنيات أظهرت أن 05% من المحجبات وغير المحجبات
يُرْجِعن انتشاره إلى تزايد نشاط الجـمـاعـــــات الإسلامية بل هو السبب
الرئيس(20)، وتظهر هذه العلاقة كذلك في فترة التسعينيات،
ولكن في الاتجاه المعاكس؛ إذ من الملاحظ ارتباط تراجع معدلات الحجاب عامة،
والحـجــــاب الـشـرعي الصحيح خاصة مع تزايد التضييق على النشاط الإسلامي في
مختلف الميادين وعلى الأخص في المدارس والجامعات.

7 - "إن المحجبة تظهر في سمت عفريت"
هـــذه الـعـبــــارة لن نتعجب إذا قالها علماني حقود، ولكن عندما نعلم أنها
صدرت من عالم داعية في وزن الشـيـخ محمد الغزالي(21) ـ
رحمه الله ـ نقداً لبعض صور الحجاب فإننا نصاب بدهشة عظيمة لهــذا الخلط
الواضح في الأوراق، والأدوار. أين كان يقف الشيخ؟ وكيف يجعل نفسه مشابهاً
لعـلـمـانـية فجة مثل أمينة السعيد، تصف المحجبات ـ اللاتي يرتدين الزي نفسه
الذي ينقده الشـيـخ ـ بأنهن يرتدين "ملابس تغطيهن تماماً، وتجعلهن كالعفاريت"(22).
إن هــــذا الخلط الذي أصاب عدداً من المفكرين والدعاة ـ ممن أصبحوا يمثلون
تياراً قوياً ـ هذا الخلط أحدث بدوره خلطاً في مفاهيم الناس حول الحجاب ـ وهو
ما سنبينه بعد قليل ـ وجعل من هفواتهم وسقطاتهم تكأة لكل من أراد الطعن في
أحكام الشريعة بأسلوب باطني استغلالاً لتلك الهفوات والسقطات.



ثانياً: الحجاب والتدين:
هناك ُبعدان لدراسة العلاقة بين
الحجاب والتدين:
الأول:
الارتباط بين الالتزام بالحجاب، والالتزام العام بأوامر الشرع.
الثاني:
الارتباط بين معدل ارتداء الحجاب ومستوى الحالة الدينية للمجتمع.
فبالنسبة للبعد الأول: يـتـمـثـل فـي دوافــع ارتداء الحجاب، والحالة الدينية
للمرأة بعد إضعافها.
أمــــا عـن الدوافع: فلا خلاف في أن ارتداء الحجاب في السبعينيات كانت
دوافعه دينية مباشرة، ووفـقــاً لأحد البحوث الاجتماعية كان 90% من الأسباب
الدافعة للحجاب ـ كما أقرت المحـجـبــات ـ تدور حول الخوف من الله ـ من عذاب
الآخرة ـ الرغبة في الجنة ـ يقظة الضمير الدينـي(23)..
إلـخ، ولـكـــن مـــع مرور الوقت وانتشار الحجاب بين فئات المجتمع تحول ـ عند
بعض الناس إلى ما يشبه الـعــرف الــعـام، والتقليد المتبع، ونشأت أجيال كان
ارتداؤهن للحجاب ينبع من كونه تقليداً أو عرفاً أو ضـغـطــاً اجتماعياً قبل
أن يكون أمراً شرعياً، ويقوِّي هذا الرأي تزايد نسبة المحجبات اللاتي يرتـبط
حجابهن بأمور مثل: الزواج (24)، تقدم السن، ولا يشمل ذلك
ـ بالطبع ـ كل المحجبات، وخاصة اللاتي ينتمين إلى التيارات الإسلامية بمعناها
العام. وهذا التحول بالحجاب إلى تـقـلـيـد ـ لــدى الـكـثـيـرات ـ لم يـكــن
حتمياً، وإنما كان مدعماً بأمرين: عدم إتاحة الفرصة لتعميق هذه الظاهرة
وتقوية ارتباطـهــا بأصلها الديني المباشر من قِبَل العلماء والدعاة، والحرب
المعلنة على الحجاب التي يؤرخ بعضهم بَدْأها من عام 1981م(25).
أمـا بالنسبة للحالة الدينية للمرأة بعد ارتداء الحجاب، فهنا نجد أنفسنا ـ
وفقاً لما سبق ـ أمام ثلاث حالات:
الأولى:
مــن ارتدت الحجاب عرفاً أو طاعة لوليٍّ (زوج ـ أب) أو لأسباب أخرى، لكن ليس
لوازع ديني.
الثانية:
من ارتدت الحجاب التزاماً انتقائياً وليس عاماً بأحكام الشرع.
الثالثة:
وهي التي يشكل ارتداؤها للحجاب أحد مظاهر التزامها العام بالشرع.
فالمحجبة في الحالة الأولى لا يترتب علـى حجابـهـا ـ في معظــم الأحيـان ـ
تغـيــر واضـح فـي السـلوك أو الطاعات، وهي تنتمي ـ غالباً ـ إلى الفئة
السلبية دينياً في المجتمع، والتي ليس لها موقف واضح من عوامــــل الإفساد،
ويصل التعارض بين السلوك ـ عند بعضهن ـ لدرجة التناقض، مما يساهم في
تـشـــويـــــــه الصورة العامة للمحجبات، ويدفع كثيراً من الجهال لاتهام
الحجاب نفسه؛ ولا يفوت الأقلام العلمانية أن تستغل هذه الفئة في حربها على
الحجاب.
أمـــا في الحالة الثانية فالمرأة دفعها وازع ديني للحجاب، ومن ثَمَّ فهي
تحرص على عدم التناقــض بين زيِّها وسلوكها، ولكن في إطار عرفي، بمعنى البعد
عن كل ما ينتقد المجتمع صدوره عـــــن المحجبة، أو ما يعيبها خارج بيتها،
وهذا بالطبع غير منضبط؛ فالمجتمع يتعارف ـ في كـثـير من الأحيان ـ على ما
يخالف الشرع، ولذلك فالمحجبة في هذه الحالة لا ترى بأساً في المصافحة أو
النظر أو الحديث مع الرجال أو الاختلاط المسموح به عرفاً لا شرعاً، ولا شك
فـي مـيـوعــــــة هذا الوضع، وإن كان أقل من الحالة الأولى، وأنه يجعل
للمحجبة قابلية قوية للوقوع في بعض صور الانحراف المناقضة لحجابها، خاصة مع
توفر عوامل مثل: صغر السن، الوســــط الـمـلائـم (الجامعة مثلاً) انتشار
الفساد، ضعف رقابة الأسرة.
وتـنـتـمي المحجبة ـ في هذه الحالة ـ إلى الفئة المحافظة دينياً التي تقف
موقفاً واضحاً من مظاهـر الفساد، وإن كانت تتعاطى وسائله في الوقت نفسه
(التلفاز ـ الاختلاط ـ... إلخ).
أما الثانية: فـحـجـابـهـا منذ البداية كان مقترناً بالتزام عام بالشرع؛ لذا
تتوفر في حالتها الضوابط اللازمة لتوافق الـسـلــــوك مع الزي، مع انتماء
أكثرهن للتيارات الإسلامية ـ ولو شعورياً ـ.
وعـند المقارنة بين نسبة توزع المحجبات على هذه الفئات الثلاث في السبعينيات
بمثيلتها حالــيـــــاً نجد تغيراً واضحاً؛ حيث زادت نسبة محجبات الحالة
الأولى زيادة ملحوظة، فأصبحت تقارب الحالة الثانية، بينما حدث تراجع في نسبة
محجبات الحالة الثالثة.
البعد الثاني لـلـعـلاقــة بين الحجاب والتدين: وهو ارتباط معدل ارتداء
الحجاب بالحالة الدينية السائدة في المجتمع.
من المسلم به أن المجتـمـــع الصغير هو الأسرة أو العائلة، وتأثر المرأة
بأسرتها في ارتدائها للحجاب أو عدمه حقيقة أثبتتها الدراسات؛ فكلما زادت نسبة
المحجبات في الأسرة كان ميل الفتاة نحو التحجب أقوى(26).
وفيما يتعلق بالمجتمع الـكـبـيــر نلاحظ هنا اتجاهين مختلفين: فبينما نجد من
الثابت أن انتشار الحجاب في السبعينيات كــــان أحد مظاهر إقبال الناس على
الدين وعودتهم إليه، وأن التراجع في مستويات الحجاب يـقـترن أيضاً بانتشار
موجات من الانحلال الخلقي في المجتمع، خاصة مع سهولة استقبال الإعــلام
الإباحي عبر القنوات الفضائية، مع ذلك، فهناك اتجاه آخر لتأثير المجتمع في
الحجاب، وهو أن استمرار الانحلال الخلقي وانهيار القيم يكون سبباً معاكساً
لإفاقة الناس ورجوعهم إلى الدين(27)، ولكن بعد حين.
ثالثاً: الحجاب والفئات الاجتماعية:
إعطاء معدلات عامة عن الحجاب في المجتـمـع الـمصري لا يعبر بدقة عن حقيقة
الوضع؛ فهناك فئات اجتماعية متعددة ومتداخلة يتفاوت تأثـرهــا وتفاعلها مع
هذه القضية تفاوتاً ملحوظاً.
وفـيـمــــا يتعلق بالحجاب يمكننا أن نقسم المجتمع في مصر وفق هذه
الاعتبارات: الطبقة الاجتماعية ـ الريف والحضر ـ الفئة العمرية والحالة
الاجتماعية.
باعتبار الطـبـــقة الاجتماعية: فإن الطبقة المتوسطة تمثل الصدارة؛ من حيث
ارتفاع معدل ارتداء الحجاب بـيــن نسائها، ويقــل الالتـزام بالحجاب مـع
ارتفاع المـؤشـر الاجتماعـي الطبقـي أو انخفاضـه(28)،
وإن كان هــذا لا يمنع من وجود الحجاب في جميع الطبقات، ويكفي أنه نجح في غزو
طائفة من أهل الفن.
ولو نظرنا إلى الريف والحضر فإننا نجد أن الريف بطبيعة تكوينه الاجتماعي
والثقافي يكون أقل تأثُّراً بالتغيرات الـسـياسية والثقافية والأخلاقية
العامة من المجتمع الحضري، ولذلك لم يختفِ الحجاب من الريـف إبَّـان
السـتـيـنـيات كما حدث في المدينة، بل استمر تقليداً يُحرَص عليه، حتى توافق
مرة أخرى مع مجـتــمـــع المدينة في السبعينيات. ولكن نتيجة لارتفاع معدلات
التعليم ذي التوجه العلماني، واتسـاع تأثير الإعلام، وكذا ارتفاع معدلات
الهجرة من الريف إلى المدن، لم يعد تمسك المجتمع الـريـفـي ـ حالياً ـ
بالحجاب كما كان أولاً.
ووفـقـــاً للاعتبار الثالث، وعلى عكس الغرض الشرعي من الحجاب وهو منع
الفتنة، وأن المرأة كـلـمـــا صــغـــــر سنها زاد الافتتان بها، على العكس
من ذلك نجد أن نسبة ارتداء الحجاب في مصر تزداد مع تقدم السن، حتى إنه قلما
تجد امرأة تجاوزت الستين سنة من العمر متبرجة ـ من نساء الطبقة الوسطى ـ وفي
المقابل يقل إلى درجة كبيرة اقتران الحجاب بوقت البلوغ، ثم يرتفــع تدريجياً
مع ارتفاع الفئة العمرية، وتتزايد معدلات الحجاب مع الزواج عنها قبله.



رابعاً: الحجاب في مصر، أنماط وأشكال
متعددة:
"فـلانة المحـجـبـة" وصف نسمعه كثيراً
عند التعريف بامرأةٍ مَّا، ولكن هل يتخيل السامع صورة معينة لزي هــذه المرأة؟
أم أن هناك عدة صور وأشكال للحجاب تتداعى في مخيلته، أحدها فقط هو الزي
الحقيقي لها؟
لقد أصبح الحجاب مـصـطـلـحـاً فضفاضاً، وأُهمِلت ضوابطه، وعند أول مقارنة بين
مدلول كلمة الحجاب في الواقع ومدلولهـا الأصـلــي فـي الشرع نجد بوناً
شاسعاً، وقياساً على ما اشتهرت به اللغة العربية من دقة متناهية في وصــــف
الأشياء ومراحل تغيرها، فإننا نجد أنفسنا بحاجة إلى مصطلحات كثيرة لتغطية
الفارق الكبير بين الحجاب الشرعي والحجاب الواقعي.
ولـمـعـرفـة حجم التنافر بين المفهومين الشرعي والواقعي للحجاب يمكن أن نقلب
مفردات المفهوم الشـرعـي كـلـها، ورغم ذلك يحتمل الواقع أن يطلق عليها: محجبة،
لمجرد غطاء رأسها، واستعراض الأشـــكـــــال المنتشرة للحجاب في المجتمع يثبت
ذلك؛ فهناك غطاء الرأس مع كشف بعض الشعر والـرقبة وجزء من الصدر والساقين،
وقد تكون الملابس ضيقة أو متشبهة بالرجال، ثم غطاء لـلــــرأس والرقبة والصدر
مع ملابس طويلة ولكنها زينة في نفسها، وقد تكون ضيقة تصف الجسم، أو معطرة، ثم
الخمار الطويل الذي يستر البدن مع كشف الوجه والكفين، ثم الحجاب الكامل الذي
يحقق الشروط كلها.
ومن أهم أسباب هذا التذبذب الخطيـر فـي مـسـتـوى الحجاب الحرب المتصاعدة ضده
من بداية الثمانينيات، واستخدام مكيدة التطرف والاعـتــــدال في هذه الحرب،
وأيضاً وجود طائفة من المتبرجات اللاتي هرولن نحو "الحل الوسط"
تخـلـصــــــاً من الحرج الاجتماعي الضاغط الذي سبب انتشار الحجاب.. ومنها
غلبة البعد الرمزي للـحـجـاب لدرجة تفرغه من مضمونه الشرعي في أحيان كثيرة.
ومــن الأســـبـــاب الهامة:
استدراج فئة كبيرة من الكُتَّاب والمفكرين الإسلاميين ـ المتبنين للاتجاه
التنويري ـ في هذه المعركة والاكتفاء منهم بالهجوم على أشكال معينة من الحجاب
يتهمونها بالـغـــلـــو والتطرف، استناداً على قاعدتهم الذهبية في تطويع
الشرع للواقع، لا العكس، وأن وسطـيـة الشرع تكون بجعل الظرف الواقعي هو
الأساس في استصدار الأحكام ووضع التصورات، وهــذا لا شك في خطئه؛ فمع تغير
الواقع تكون الإرادة المطَّردة للتوسط بينه وبين ثوابت الشرع تعني أن ننادي
غداً بما نستنكره اليوم، حتى يأتي علينا وقت لا يبقى من الدين إلا أن ننوي
أحكامه ونفعل ضدها.
ومن الشواهد القوية على صـحـة هذا الرأي، موقف أحد التنويريين(29)
المقيم في بريطانيا من القضايا الإسلامية المثارة في ذلـك الـــــواقع
العلماني ـ والذي هو المثل الأعلى لعلمانيي الشرق ـ والذي تطور فكره وفق
القاعدة الـســابقة ليتوافق مع هذا الواقع فيما يتعلق بقضية الحجاب، أصدر
فتوى بأنه لا يجب على الـمــرأة أن تـرتـــدي الحجاب لتعرضها للأذى بارتدائه
في تلك البلاد، واستدل بآيةSad(ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)) [الأحزاب:59]،
فلا يسع المسلمة ـ والحال هكذا ـ إلا أن تنوي الحجاب ـ وتتبرج!
وبناءاً على النظرة الواقعية المتفحصة، نستطيع القول: إن هناك تناسباً
وتوافقاً بين مستوى الحـجـــاب وأنماط الحالة الدينية للمحجبة ـ والمذكورة
آنفاً ـ فكلما تضاءل تأثير الدين في حياة المحجبة عند حجابها وبعده كلما تدنى
مستوى الحجاب، والعكس صحيح، فتصبح أكثر المحـجـبـــات تديناً هي التي تتمسك
بكافة شروط الحجاب، بما فيها تغطية الوجه والكفين، ولذلك نجـــد أنـــــه
انطلاقاً من تحول محاربة التدين الشامل إلى سياسة عامة، أصبح النقاب محارباً
بشدة أكـثـر من أي شكل آخر للحجاب، واستهدفته جميع الجهات العلمانية بهجوم
مكثف متواصــــــل، ولعل ذلك يرجع إلى ضعف قابليته للتميع والتطويع بخلاف
الصور الأخرى للحجاب، وكـــذا اعتماداً لأسلوب ضرب القمة، وقبول ما بعدها،
تدرجاً في القضاء على الحجاب.



الحجاب في تركيا:
للـحـجــــاب في تركيا قصة طويلة
حزينة، تبدأ من قوانين أتاتورك، ولا تنتهي عند مروة قاوقجي، ولــــو اكتفينا
بالاطلاع على الفصول الأخيرة من هذه القصة، فستبدو لنا سمات بارزة لحرب
الحجاب في تركيا:
1 -
لا يمكن اسـتيعاب أبعاد قضية الحجاب في تركيا حالياً، بدون الاطلاع على
الجهود التاريخية الحـثـيـثـة للقضاء عليه منذ أتاتورك، هذه الجهود التي ليس
لها مثيل في دولة إسلامية أخرى، فـي شـــدتـهــا واستمراريتها إلى الآن، فمنذ
ما يزيد عن سبعين عاماً كان البوليس التركي يقوم بنزع الحـجــــــاب عن
النساء بالقوة وعقابهن أحياناً امتثالاً لقانون أتاتورك(30)،
ورغم اختفاء هذا القانون إلا أن الحرب لا تزال قائمة.

2 -
أحدثت علمانية أتاتورك شرخاً كـبـيـراً فـي الانــتــمــاء الإسلامي للمجتمع
التركي، فأوجدت قطاعات من الجماهير تفضل العلمانية على الإســـــلام، وأظهر
أحد استطلاعات الرأي الهامة أن نسبة 18% من الأتراك يثقون بالجيش التركــي
(حـارس العلمانية)(31)، مما أوجد موقفاً جماهيرياً ـ لا
يستهان به ـ رافضاً للحجاب، وإن كانت الأغلبية تقبل به، وقد أحدث فوز الرفاه
في انتخابات 1994م حالة من القلق المتولد لدى العلمانيين وقطاعات من الشعب من
إقدام الرفاه ـ في حاله تولي السلطة ـ على إجبار الـنــســــاء عـلـى
ارتــداء الـحـجـــــاب، واضـطر أربكان لنفي ذلك تهدئة للأوضاع(32)،
وعندما أعلن عن احتمال حدوث ائتلاف بين الــرفاه والوطن الأم، قامت النساء
المؤيدات للثاني بإرسال حجاب إلى زوجة يلماظ احتجاجاً على ذلك(33).

3 -
لا يتضمن الدسـتــور التركي أي إشارة إلى الإسلام أو الشريعة؛ لذا ينطلق
الإسلاميون من دفاعهم عن الحجاب ضد الدولة لا من أصله الشرعي الإسلامي، بل
انطلاقاً من مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما يزيد الأمر
صعوبة عليهم بخلاف الحال في معظم الدول الإسلامية الأخرى التي يعطي النص على
الإسلام ـ ولو باعتباره ديناً رسمياً ـ في دساتيرها منطلقاً قوياً للإسلاميين
في الدفاع عن الحجاب.

4 -
يتمثل جهد الدولة في محاربة الحجاب في وسائل عدة، نذكر منها:
- إصدار قانون 1987 يمنع دخول المحجبات إلى الجامعات، وينفذ القانون في 82
جامعة تركية، وقـ تم التراجـــــع عــــن هذا القانون سنة 1991م(34)
من قِبَل البرلمان والمحكمة الدستورية، ولكن لم يمنع هذا مـن استمرار الحظر
في جامعات كثيرة، ومن المعتاد أن نجد في كل عام دارسي القوات المدجـجــــــة
بالسلاح تحيط بالجامعة لمنع المحجبات، وتقوم الشرطة النسائية بإخراجهن
بالقوة.
- منع المحجبات من العمل في المؤسسات الحكومية، وقد تعرضت مئات الموظفات
للفصل أو الإجبار على الاستقالة بسبب الحجاب(35).
- اتـخــــاذ بعض الإجراءات المحاصرة للحجاب مثل حظر ارتداء نساء العسكريين
لــه، وعرقلة حصول المحجبة على جواز للسفر(36)، وتعرضت
الكثيرات للسجن أكثر من مرة بسبب تبنيهن لهذه القضية(37).
- حاولت الحكومة التركية في أواخر الثمانينيات مطاردة المـحـجـبـات خــــارج
تـركـيـا، فأرسلت طلباً للحكومة الألمانية بمنع الطالبات التركيات من ارتداء
الحجاب، إلا أن ألمانيا رفضت للسبب ذاته الذي من أجله تطارد تركيا الحجاب وهو
العلمانية!(38).

5 -
تتمثل المواجهة الإسلامية ـ بدورها ـ
في وسائل عدة، نذكر منها:
- رفــــــض الامتثال لقوانين منع الحجاب في الجامعات ومحاولة فرضه بالقوة،
والأمثلة عديدة وتتكرر بصفة دورية، ومنها: قيام مدير المعهد العلمي للتمريض
في أحد المدن برفض قيام الـطـالـبـــة الأولى بإلقاء خطبة الوداع في حفل
التخرج؛ لأنها ترتدي الحجاب تحت قلنسوة التمريض، وحدثت مشادات كلامية رافقها
استخدام الأيدي(39).
وفي المقابل تُؤْثِرُ طائفة مـــن المحـجـبـــات ترك الدراسة على خلع الحجاب(40)،
ومـن المعـروف أن مـروة قاوقجـي ـ أثناء الدراسة الجامعية ـ تركت الدراسة في
الجامعة التركية وذهبت إلى أمريكا لرفضها أن تخلع حجابها.
- استخدام أسلوب التظاهرات المؤيدة للحجاب والمناهضة لرفض الحكومة له، ومن
أمثلتها ما يسمى بسلسلة الحرية، والتي شارك فـيـهــا مائة ألف مواطن أمسكوا
يداً بيد احتجاجاً على منع الحجاب ليشكلوا سلسلة تمتد من أنـقــــرة إلى
اسطنبول، إلا أنها قُطِعَت لتدخُّل البوليس في بعض المناطق، ولكنها وصلت في
أماكن أخـرى مثل مدينة "قيصري" إلى عشرين كيلو متراً(41).
- يـسـتـفـيد حزب الرفاه من البلديات التي فاز بها في الانتخابات في تعيين
عدد كبير من المحجبات فـي إداراتـهـــا إقراراً لوجودهن في المؤسسات
الحكومية، كما يحاول مواجهة الدعارة والإباحية ـ بوصف هذه المواجهة وسيلة غير
مباشرة لنشر الحجاب من خلال غلق بيوت الفساد، وقام عمدة أنقرة بإزالة
التماثيل العارية من الشوارع وقال بغضب: "إذا كان هذا هو الفن فأنا أبصق
عليه"(42).
- يعمد الإسلاميون أيضاً إلى إثـارة قضية الحجاب إعلامياً وسياسياً بصفة
مستمرة، والمثال القريب إصرار مروة قاوقجي على حضور جلسات البرلمان بالحجاب
رغم المواجهة الشرسة والصياح الهستيري الذي كانت تـتـعـرض له داخل البرلمان،
ورغم تراجع نائبتين لحزبين آخرين عن حجابهما إذعاناً للضغوط، فـقــد تحولت
مروة قاوقجي إلى رمز لقضية الحجاب والاضطهاد الديني، وحظيت بتعاطف الكثيرين
معها محلياً ودولياً.

6 -
للحجاب في تركيا أشكال متعددة ومسـتـويات مختلفة؛ ففي الريف والأحياء الشعبية
تغطي أغلب النساء شعورهن ولكن من قبيل الـعــادة والـتـقـلـيـد، ومن أكثر
أنواع الحجاب انتشاراً حجاب يتكون من غطاء للرأس والرقبة، ومعطف (بالطو)
طويل، ويُرتدى من تحته سروال، وقد يُرتدى معه قفازات للكفين، وتتخير المرأة
ما تشاء من الألوان، وهذا الزي هو أكثر ما يميز ذوات التوجه الإسلامي.
ويـوجـد النقاب أيضاً في أمــاكـــن كـثـيـرة، إلا أن التركيات يُظهرِن من
خلف النقاب العينين وجزءاً من الوجه إلى أسفل الأنف، ويقـلـن: إن ذلك أبعد من
الفتنة!
وإذا كــــان وضع الحجاب في مصر يتجه إلى مشابهة وضعه في تركيا فهناك دول
إسلامية تسير بـبـطء نـحـو مشابهة الوضع المصري، ومن فاته بعض فصول حرب
الحجاب في مصر يمكنه أن يشاهدهــــــا الآن في تلك الدول؛ حيث يعيدها التاريخ
للحاضر مرة أخرى، مع تعديلات يسيرة في المـصـطــلـحـات والشعارات، التي تعتبر
من لوازم عصر حقوق الإنسان والألفية الثالثة!
ولكن إلى أي مدى سيظل التاريخ يعيد
نفسه ـ هناك ـ؟ سؤال للحكماء.



=================
الهوامش:
(1) النهوض الإسلامي، عبد الجبار البو بكري، ص 13.
(2) عودة الحجاب،، ج 1، ص 288.
(3) المصدر السابق، ص 216.
(4) المصدر السابق، ص 216. كان هذا يوم كان (بن بيلا) على
رأس السلطة وقبل الانقلاب عليه وسجنه، ليعود وقد تغيرت كثير من آرائه.
(5) الإسلام في الغرب، جان بول، ص 188.
(6) ومن حصاد هذه السياسة الميمونة ظاهرة محزنة ـ فيما
يتعلق بالمرأة ـ بدأت من منتصف الثمانينيات وهي: تزايد أعداد المهاجرات
المغربيات ـ بمفردهن ـ إلى أسبانيا، حتى فقن عدد الرجال، ويعمل أغلبهن خادمات
في منازل النصارى، مجلة الرائد، عدد 139 سنة 1991م، ص 56.
(7) أشواق الحرية، قضية الحركة الإسلامية في تونس، محمد
الحامدي، ص 193.
(Cool عودة الحجاب، ج1، ص 253.
(9) لم يكن هناك موقف رسمي واضح من الحجاب منذ السبعينيات،
وإنما كان هناك مواقف فردية، حتى بادرت وزارة التربية والتعليم باتخاذ الموقف
الموضح.
(10) في دراسة على عينة تمثل الطبقة الوسطى كان التلفزيون
هو المصدر الرئيس للمعرفة، أحوال مصرية، عدد 1 ، ص 113.
(11) المصريون والسياسة.. استطلاع رأي مشترك بين الأهرام
ومالكي مركز المشكاة، ص 30ـ 31.
(12) ظاهرة الحجاب ـ دراسة عن فترة السبعينيات ـ المركز
القومي للبحوث الاجتماعية، ص 263.
(13) كما حدث مع د. عمر عبد الكافي، على صفحات مجلة روز
اليوسف رائدة مهاجمة الحجاب.
(14) في حادث تفجير مقهى ميدان التحرير بالقاهرة، نشرت
إحدى الصحف أخيراً أن إحدى المنقبات دخلت المقهى ووضعت حقيبة المتفجرات ثم
خرجت.. ثم خفيت القصة بعدها، إحقاق الحق ـ هويدي، ص 63.
(15) ظاهرة الحجاب، ص 123.
(16) في الدراسة السابقة لدورية أحوال مصرية عبر أغلب
المبحوثين عن رفضهم لفكرة فرض الحجاب على نسائهم معلنين أن الأفضل أن ينبع
القرار منهن، ص 113.
(17) نشرت الفتوى في مجلة الأزهر عدد ربيع أول 1415هـ.
(18) في حوار مع مفتي الجمهورية من مجلة أكتوبر بعنوان
(غسيل مخ) قال عن النقاب: إنه ليس من الإسلام، وتحدى أن يأتيه أحد بنص يفيد
ذلك. يعلق محمد إسماعيل المقدم على ذلك بقوله: إن المفتي نفسه ـ قبل تولي
المنصب ـ فسر آية الإدناء في سورة الأحزاب بأنها تشمل تغطية الوجه من المرأة،
"بل النقاب واجب" محمد إسماعيل، ص 37.
(19) انظر الحرية الشخصية، د. عبد الله خير الله، ص 361 ـ
362.
(20) ظاهرة الحجاب، ص 202ـ 204.
(21) أضواء على تفكيرنا الديني، محمد الغزالي، ص 22.
(22) عودة الحجاب، ج 1، ص 126. (23)
ظاهرة الحجاب، ص 130.
(24) المصدر السابق، ص 130.
(25) عودة الحجاب، ج 1، ص 228.
(26) ظاهرة الحجاب، ص 122. (27)
المصدر السابق، ص 204.
(28) المصدر السابق، ص 60. (29)
د. زكي بدوي رئيس مجلس المساجد في بريطانيا.
(30) عودة الحجاب، ج 1، ص 205.
(31) رؤى مغايرة، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،
مايو 1997م، ص 11.
(32 ، 33) المصدر السابق ، ص 33.
(34) مجلة البيان عدد 36 ، ص 63.
(35) عودة الحجاب، ج1، ص 214. (36)
حزب الرفاه، يوسف الجهماني، ص 18. (37) عودة الحجاب، ج1،
ص 215. (38) مجلة المختار الإسلامي نوفمبر، 1987م.
(39) رؤى مغايرة ـ مرجع سابق، ص 30.
(40) انظر البيان عدد 5، ص 90.
(41) جريدة الشفق الجديد التركية.
(42) رؤى مغايرة، ص 20.






المصدر : مجلة البيان



الحجاب الإسلامي
بين المد والجزر





أحمـــد فهمي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحجاب الإسلامي بين المد والجزر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تاجنانت :: . :: قضايا المرأة المسلمة-
انتقل الى: